الشيخ البوطي: العالم الذي وقف مع الأسد — وماتَ بسببه
person journey

الشيخ البوطي: العالم الذي وقف مع الأسد — وماتَ بسببه

أعظم عالم إسلامي في سوريا أيّد الأسد علناً منذ اليوم الأول — ثم قُتل في تفجير مسجد لم يُحدَّد فاعله قط.

مؤكد2 فصل1929-01-012013-03-21

حياة الشيخ البوطي ومماته مَثَلٌ على كيفية توظيف نظام الأسد للدين — مستثمراً شرعية أعظم علماء سوريا في حياته، وجثمانه أداةً دعائية بعد وفاته.

01
فصل 01custom01 / 02
1929-01-012011-12-31Damascus, Syria

عمرٌ من العلم — والخيار عام 2011

1929–2011: أعظم علماء سوريا السنة يُؤيّد النظام

وُلد محمد سعيد رمضان البوطي عام 1929 في جلكا، قرية تقع في جنوب شرق تركيا الحالية. كانت أسرته كردية وفرّت إلى سوريا — لتستقر في دمشق — حين كان طفلاً. تلقّى العلوم الفقهية والعقيدة على يد والده ثم في الأزهر بالقاهرة، ثم عُيِّن أستاذاً في كلية الشريعة بجامعة دمشق في ستينيات القرن الماضي.

على مدى العقود التالية غدا أكثر علماء السنة احتراماً في سوريا وأحد أكثرهم استشهاداً في العالم العربي. أصبح كتابه «ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية» (1966) نصاً مرجعياً في أصول الفقه الإسلامي. وكان كتابه «اللامذهبية» رداً فكرياً مهماً على رفض الوهابية/السلفية للمذاهب الفقهية الأربعة التقليدية — مما جعله شخصية بارزة في النقاش الداخلي السني حول المناهج الدينية.

كان لاهوته محافظاً، غير سياسي، ويميل إلى الصمت الديني: إذ آمن بأن العلماء الدينيين لا ينبغي لهم الانخراط في معارضة سياسية، وأن الحكام — حتى الناقصين منهم — يجب طاعتهم صوناً للنظام الاجتماعي، وأن الثورة الإسلامية غير مشروعة. هذه المواقف انسجمت بسهولة مع رغبة نظام الأسد في قيادة دينية منقادة.

حين اندلعت الثورة في مارس 2011، كان البوطي يبلغ من العمر 82 عاماً، فظهر مراراً على شاشة التلفزيون السوري الرسمي. أدان الاحتجاجات بوصفها «مؤامرة خارجية»، وأعلن أن المظاهرات محرّمة شرعاً لأنها تُفضي إلى فتنة، وحثّ السوريين على الثقة بوعود الحكومة بالإصلاح. منحت ظهوراته شرعيةً دينية لقمع النظام لا يمكن لأي شخصية أخرى في سوريا أن توفّرها.

في نظر مؤيّدي الثورة، كان موقف البوطي خيانة للشعب السوري المعذَّب. وفي نظر النظام كان لا يُعوَّض: عالم غير علوي وغير بعثي، يحظى باحترام حقيقي، أتاح تأييدُه لبشار الأسد الزعمَ بأن الإسلام «الحقيقي» يقف مع الحكومة لا مع المحتجّين.
مؤكد(93%)حساسية: medium
02
فصل 02custom02 / 02
2013-03-21Iman Mosque, al-Mazraa, Damascus, Syria

تفجير مسجد الإيمان: موتٌ خدم النظام

21 مارس 2013 — 84 قتيلاً، ولا تحقيق مستقل، ولا إدانة

في مساء 21 مارس 2013، كان الشيخ البوطي يقود درساً دينياً في مسجد الإيمان بحي المزرعة في قلب دمشق — درساً كان يعقده بانتظام لمئات الطلاب والمريدين. فجّر انتحاري حزاماً ناسفاً داخل المسجد. لقي أربعة وثمانون شخصاً حتفهم، من بينهم البوطي وحفيده وعشرات طلابه. كان أكثر هجوم مفرد دموية في دمشق طوال النزاع السوري.

جاء ردّ نظام الأسد فورياً ومُحسَبًا سياسياً: ظهر بشار الأسد على شاشة التلفزيون الرسمي في مشهد حداد، وصف الحادثة بالمجزرة الإرهابية. تناولت وسائل الإعلام الإيرانية والروسية الرسمية الأمر بوصفه مجزرة كبرى تُثبت أن المعارضة عدمية وإجرامية. بثّ التلفزيون السوري الرسمي لقطات من مكان الحادثة بلا انقطاع.

**لماذا شكّك المحللون في رواية النظام:**

أولاً، الموقع والتوقيت: المزرعة حي تحت سيطرة الحكومة في وسط دمشق، تُحيط به نقاط تفتيش عسكرية وأجهزة أمنية. القبول بفكرة أن انتحارياً من المعارضة اختترق طوقاً أمنياً متعدداً للوصول إلى هذا الهدف تحديداً يستلزم الإقرار بأن الاستخبارات السورية أخفقت إخفاقاً مدوياً — في الحي ذاته الذي يضم شطراً كبيراً من الجهاز الأمني.

ثانياً، التوقيت الدبلوماسي: مارس 2013 كان لحظة دبلوماسية حرجة. كانت لجنة التحقيق الأممية تُعدّ تقريراً مهماً. كان الضغط الدولي للمساءلة في تصاعد. كانت مجزرة الغوطة على بُعد خمسة أشهر. مجزرة ضخمة تُنسب إلى المعارضة — تستهدف تحديداً أكثر العلماء الإسلاميين تبجيلاً في سوريا — صرفت الأنظار عن جرائم النظام وعزّزت رواية «الإرهاب في مواجهة الحضارة».

ثالثاً، كانت قيمة البوطي في تراجع: بلغ الرابعة والثمانين من عمره، وهو أكثر هشاشة جسدياً، وكانت ثمة تقارير تُشير إلى أنه أبدى في السر شكوكاً حول أساليب النظام. البوطي الحي المتشكّك كان أقل قيمة من البوطي الشهيد.

رابعاً، نمط التحقيق المعطَّل: دأبت الأجهزة الأمنية السورية على حلّ الجرائم الموجّهة ضد أعداء النظام بسرعة لافتة — لكن مثلما حدث في اغتيال أبي القعقاع قبل ستة أعوام، لم يُسفر تفجير البوطي عن أي اعتقال أو توجيه اتهامات أو تحديد لفاعل أو تحقيق ذي مصداقية.

لم تُعلن أي جهة مسؤوليتها بصورة موثوقة. المنظمات الجهادية العاملة في سوريا مطلع 2013 — جبهة النصرة وأحرار الشام — أدانت التفجير عموماً. نسبه النظام إلى «المعارضة» بشكل مبهم، لكن لم يُحدَّد فاعل بعينه قط.

واصل نجله الدكتور محمد توفيق البوطي في البداية الدور العام لوالده — غير أنه اعتُقل على يد الأجهزة الأمنية السورية عام 2014 وفق ما أُفيد، حين بدت عليه علامات التراجع عن الظهور العلني الإيجابي للنظام، مما يُشير إلى أن تسامح النظام حتى مع أكثر الأسر الدينية ولاءً كان له حدود دقيقة.
مؤكد(87%)حساسية: medium

رحلات أخرى

استكشف رحلات أخرى في هذا الأرشيف التوثيقي

كل الرحلات